الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
30
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واستمراره . ولمّا جاء في المذنبين فعل يكسبون المتعدي إلى الإثم ، جاء في صلة جزائهم بفعل ( يقترفون ) ، لأنّ الاقتراف إذا أطلق فالمراد به اكتساب الإثم كما تقدّم آنفا في قوله تعالى : وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ [ الأنعام : 113 ] . [ 121 ] [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 121 ] وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) جملة : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ معطوفة على جملة : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 118 ] . و ( ما ) في قوله : مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ موصولة ، وما صدق الموصول هنا : ذكيّ ، بقرينة السّابق الّذي ما صدقه ذلك بقرينة المقام . ولمّا كانت الآية السّابقة قد أفادت إباحة أكل ما ذكر اسم اللّه عليه ، وأفهمت النّهي عمّا لم يذكر اسم اللّه عليه ، وهو الميتة ، وتمّ الحكم في شأن أكل الميتة والتفرقة بينها وبين ما ذكّي وذكر اسم اللّه عليه ، ففي هذه الآية أفيد النّهي والتّحذير من أكل ما ذكر اسم غير اللّه عليه . فمعنى : لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ : أنّه ترك ذكر اسم اللّه عليه قصدا وتجنّبا لذكره عليه ، ولا يكون ذلك إلّا لقصد أن لا يكون الذّبح للّه ، وهو يساوي كونه لغير اللّه ، إذ لا واسطة عندهم في الذكاة بين أن يذكروا اسم اللّه أو يذكروا اسم غير اللّه ، كما تقدّم بيانه عند قوله : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : 118 ] . وممّا يرشّح أنّ هذا هو المقصود قوله هنا : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وقوله في الآية الآتية : أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [ الأنعام : 145 ] ، فعلم أنّ الموصوف بالفسق هنا : هو الّذي وصف به هنالك ، وقيد هنالك بأنّه أهلّ لغير اللّه به ، وبقرينة تعقيبه بقوله : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ لأنّ الشّرك إنّما يكون بذكر أسماء الأصنام على المذكّى ، ولا يكون بترك التّسمية . وربّما كان المشركون في تحيّلهم على المسلمين في أمر الذكاة يقتنعون بأن يسألوهم ترك التّسمية ، بحيث لا يسمّون اللّه ولا يسمّون للأصنام ، فيكون المقصود من الآية : تحذير المسلمين من هذا التّرك المقصود به التمويه ، وأن يسمّى على الذّبائح غير أسماء آلهتهم . فإن اعتددنا بالمقصد والسّياق ، كان اسم الموصول مرادا به شيء معيّن ، لم يذكر اسم اللّه عليه ، فكان حكمها قاصرا على ذلك المعيّن ، ولا تتعلّق بها مسألة وجوب التّسمية